فصل: تفسير الآية رقم (267):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (265):

{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)}
{وَمَثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم ابتغاء مَرْضَاتَ الله} أي لطلب رضاه أو طالبين له. {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ} أي ولتثبيت أو مثبتين بعض أنفسهم على الإيمان فمن تبعيضية كما في قولهم: هزّ من عطفيه وحرك من نشاطه فإن للنفس قوى بعضها مبدأ بذل المال، وبعضها مبدأ بذل الروح فمن سخر قوة بذل المال لوجه الله تعالى فقد ثبت بعض نفسه، ومن سخر قوة بذل المال وقوة بذل الروح فقد ثبت كل نفس، وقد يجعل مفعول {تثبيتًا} محذوفًا أي تثبيتًا للإسلام وتحقيقًا للجزاء من أصل أنفسهم وقلوبهم فمن ابتدائية كما في قوله تعالى: {حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109] ويحتمل أن يكون المعنى: وتثبيتًا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة مجاهد {وتبيينًا من أنفسهم}، وجوز أن تكون {مِنْ} عنى اللام والمعنى توطينًا لأنفسهم على طاعة الله تعالى وإلى ذلك ذهب أبو علي الجبائي وليس بالبعيد وفيه تنبيه على أن حكمة الإنفاق للمنفق تزكية النفس عن البخل وحب المال الذي هو الداء العضال والرأس لكل خطيئة.
{كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} أي بستان بنشز من الأرض، والمراد تشبيه نفقة هؤلاء في الزكاء بهذه الجنة، واعتبر كونها في ربوة لأن أشجار الربى تكون أحسن منظرًا وأزكى ثمرًا للطافة هوائها وعدم كثافته بركوده. وقرأ ابن عامر وعاصم بربوة بالفتح، والباقون بالضم، وابن عباس بالكسر، وقرئ رباوة وكلها لغات، وقرئ كمثل حبة بالحاء والباء {أَصَابَهَا وَابِلٌ} مطر شديد {فَأَتَتْ} أي أعطت صاحبها أو الناس ونسبة الإيتاء إليها مجاز {أُكُلُهَا} بالضم الشيء المأكول والمراد ثمرها وأضيف إليها لأنها محله أو سببه، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع بسكون الكاف تخفيفًا {ضِعْفَيْنِ} أي ضعفًا بعد ضعف فالتثنية للتكثير، أو مثلي ما كانت تثمر في سائر الأوقات بسبب ما أصابها من الوابل، أو أربعة أمثاله بناءًا على الخلاف في أن الضعف هل هو المثل أو المثلان، وقيل: المراد تأتي أكلها مرتين في سنة واحدة كما قيل في قوله تعالى: {تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} [إبراهيم: 25] ونصبه على الحال من أكلها أي مضاعفًا {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} أي فيصيبها، أو فالذي يصيبها طل أو فطل يكفيها، والمراد أن خيرها لا يخلف على كل حال لجودتها وكرم منبتها ولطافة هوائها والطل الرذاذ من المطر وهو اللين منه.
وحاصل هذا التشبيه أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله تعالى لا تضيع بحال وإن كانت تتفاوت بحسب تفاوت ما يقارنها من الإخلاص والتعب وحب المال والإيصال إلى الأحوج التقي وغير ذلك، فهناك تشبيه حال النفقة النامية لابتغاء مرضاة الله تعالى الزاكية عن الأدناس لأنها للتثبيت الناشئ عن ينبوع الصدق والإخلاص بحال جنة نامية زاكية بسبب الربوة وأحد الأمرين الوابل، والطل، والجامع النمو المقرون بالزكاء على الوجه الأتم، وهذا من التشبيه المركب العقلي ولك أن تعتبر تشبيه حال أولئك عند الله تعالى بالجنة على الربوة ونفقتهم القليلة والكثيرة بالوابل والطل؛ فكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل تلك الجنة فكذلك نفقتهم جلت أو قلت بعد أن يطلب بها وجه الله تعالى زاكية زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عند ربهم جل شأنه كذا قيل: وهو محتمل لأن يكون التشبيه حينئذٍ من المفرق ويحتمل أن يكون من المركب والكلام مساق للإرشاد إلى انتزاع وجه الشبه وطريق التركيب، والفرق إذ ذاك بأن الحال للنفقة في الأول وللمنفق في الثاني.
والحاصل أن حالهم في إنتاج القل والكثر منهم الأضعاف لأجورهم كحال الجنة في إنتاج الوابل والطل الواصلين إليها الإضعاف لأثمارها، واختار بعضهم الأول، وأبى آخرون الثاني فافهم {والله بما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازي كلًا من المخلص والمرائي بما هو أعلم به، ففي الجملة ترغيب للأوّل، وترهيب للثاني مع ما فيها من الإشارة إلى الحط على الأخير حيث قصد بعمله رؤية من لا تغني رؤيته من لا تغني رؤيته شيئًا وترك وجه البصير الحقيقي الذي تغني وتفقر رؤيته عز شأنه.

.تفسير الآية رقم (266):

{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)}
{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} أي أيحب أحدكم، وكذلك قرأ عمر رضي الله تعالى عنه في رواية عنه والهمزة فيه للإنكار {أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} وقرئ جنات {مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} أي كائنة من هذين الجنسين النفيسين على معنى أنهما الركن والأصل فيها لا على أن لا يكون فيها غيرهما، والنخيل قيل: اسم جمع، وقيل: جمع نخل وهو اسم جنس جمعي، و{أعناب} جمع عنبة ويقال عنباء فلا ينصرف لألف التأنيث الممدودة وحيث جاء في القرآن ذكر هذين الأمرين فإنما ينص على النخل دون ثمرتها وعلى ثمرة الكرم دون شجرتها ولعل ذلك لأن النخلة كلها منافع ونعمت العمات هي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها حين يأذن ربها، وأعظم منافع الكرم ثمرته دون سائره، وفي بعض الآثار ولم أجده في كتاب يعول عليه إن الله تعالى يقول: أتكفرون بي وأنا خالق العنب، والجنة تطلق على الأشجار الملتفة المتكاثفة، وعلى الأرض المشتملة عليها، والأول أنسب بقوله تعالى: {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار} إذ على الثاني يحتاج إلى تقدير مضاف أي من تحت أشجارها وكذا يحتاج إلى جعل إسناد الاحتراق إليها فيما سيأتي مجازيًا؛ والجملة في موضع رفع صفة {جنة} أو في موضع نصب حال منها لوصفها بالجار والمجرور قبل.
{لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات} الظرف الأول: في محل رفع خبر مقدم، والثاني: حال من الضمير المستتر في الخبر، والثالث: نعت لمبتدأ محذوف أي رزق أو ثمر كائن من كل الثمرات، وجوز زيادة من على مذهب الأخفش، وحينئذٍ لا يحتاج إلى القول بحذف المبتدأ، وعلى التقديرين ليس المراد بالثمرات العموم بل إنما هو الكثير، ومن الناس من جوز كون المراد من الثمرات المنافع، وهذا يجعل ذكر ذينك الجنسين لعدم احتواء الجنة على ما سواهما، ومنهم من قال: إن هذا من ذكر العام بعد الخاص للتتميم وليس بشيء {وَأَصَابَهُ الكبر} أي أثر فيه علو السن والشيخوخة وهو أبلغ من كبر، والواو للحال، والجملة بتقدير قد في موضع نصب على الحال من فاعل يود أي أيود أحدكم ذلك في هذه الحال التي هي مظنة شدة الحاجة إلى منافع تلك الجنة ومئنة العجز عن تدارك أسباب المعاش، وقيل: الواو للعطف ووضع الماضي موضع المضارع كما قاله الفراء، أو أوّل المضارع بالماضي أي لو كانت له جنة وأصابه الكبر، واعترضه أبو حيان بأن ذلك يقتضي دخول الإصابة في حيز التمني {وَأَصَابَهُ الكبر} لا يتمناها أحد، والجواب أن ذلك غير وارد لما أن الاستفهام للإنكار فهو ينكر الجمع بينهما لا يخفى ما فيه.
{وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء} في موضع الحال من الضمير في أصابه أي أصابه الكبر، والحال أن له صبية ضعفاء لا يقدرون على الكسب وترتيب معاشه ومعاشهم، والضعفاء جمع ضعيف كشركاء جمع شريك، وترك التعبير بصغار مع مقابلة الكبر لأنه أنسب كما لا يخفى، وقرئ ضعاف {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ} أي ريح تستدير على نفسها وتكون مثل المنارة وتسمى الزوبعة وهي قد تكون هابطة، وقد تكون صاعدة خلافًا لما يفهمه ظاهر كلام البعض من تخصيصها بالثانية، وسبب الأولى: أنه إذا انفصل ريح من سحابة وقصدت النزول فعارضها في طريق نزولها قطعة من السحاب وصدمتها من تحتها ودفعها من فوقها سائر الرياح بقيت ما بين دافعين دافع من العلو ودافع من السفل فيعرض من الدفعين المتمانعين أن تستدير ورا زادها تعوج المنافذ تلويًا كما يعرض للشعر أن لا يتجعد بسبب التواء مسامه، وسبب الثانية: أن المادة الريحية إذا وصلت إلى الأرض وقرعتها قرعًا عنيفًا ثم أثبتت فقلبتها ريح أخرى من جهتها التوت واستدارت وقد تحدث أيضًا من تلاقي ريحين شديدتين ورا بلغت قوتها إلى حيث تقلع الأشجار وتخطف المراكب من البحر، وعلامة النازلة أن تكون لفائفًا تصعد وتنزل معًا كالراقص، وعلامة الصاعدة أن لا يرى للفائفها إلا الصعود وقد يكون كل منهما حض قدرة الله تعالى من غير توسط سبب ظاهر ورا اشتمل دور الزوبعة على بخار مشتعل قوي فيكون نارًا تدور أيضًا، ولتعيين هذا النوع وصف الإعصار بقوله سبحانه: {فِيهِ نَارٌ} وتذكير الضمير لاعتبار التذكير فيه وإنما سمي ذلك الهواء إعصارًا لأنه يلتف كما يلتف الثوب المعصور، وقيل: لأنه يعصر السحاب أو يعصر الأجسام المار بها، والتنوين في النار للتعظيم وروي عن ابن عباس أن الإعصار الريح الشديدة مطلقًا وأن المراد من النار السموم وذكر سبحانه الإعصار ووصفه بما ذكر، ولم يقتصر على ذكر النار كأن يقال فأصابها نار {فاحترقت} لما في تلك الجملة من البلاغة ما فيها لمن دقق النظر، والفعل المقرون بالفاء عطف على {أَصَابَهَا} وقيل: على محذوف معطوف عليه أي فأحرقها فاحترقت وهذا كما روي عن السدي تمثيل حال من ينفق ويضم إلى إنفاقه ما يحبطه في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إلى ذلك ووجده هباءًا منثورًا بحال من هذا شأنه.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: آية من كتاب الله تعالى ما وجدت أحدًا يشفيني عنها قوله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ} إلخ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إني أجد في نفسي منها فقال له عمر: فلم تحقر نفسك؟ا فقال: يا أمير المؤمنين هذا مثل ضربه الله تعالى فقال: أيحب أحدكم أن يكون عمره يعمل بعمل أهل الخير وأهل السعادة حتى إذا كبر سنه وقرب أجله ورق عظمه وكان أحوج إلى ما يكون أن يختم عمله بخير عمل بعمل أهل الشقاء فأفسد عمله فأحرقه قال: فوقعت على قلب عمر وأعجبته.
وفي رواية البخاري والحاكم وابن جرير وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال عمر يومًا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فيم ترون هذه الآية نزلت {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} إلخ؟ قالوا: الله تعالى أعلم فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين فقال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ضربت لرجل غني عمل بطاعة الله تعالى ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله، قيل: وهذا أحسن من أن يكون تمثيلًا لمن يبطل صدقته بالمنّ والأذى والرياء، وفصل عنه لاتصاله بما ذكر بعده أيضًا لأن ذلك لا عمل له، وأجيب بأن له عملًا يجازى عليه بحسب ظاهر حاله وظنه وهو يكفي للتمثيل المذكور، وأنت تعلم أن هذا لا يدفع أحسنية ذلك لاسيما وقد قاله ترجمان القرآن وارتضاه الأمير المحدث رضي الله تعالى عنه.
{كذلك} أي مثل ذلك البيان الواضح الجاري في الظهور مجرى الأمور المحسوسة {يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} أي كي تتفكروا فيها وتعتبروا بما تضمنته من العبر وتعملوا وجبها، أو لعلكم تعملون أفكاركم فيما يفنى ويضمحل من الدنيا وفيما هو باق لكم في الأخرى فتزهدون في الدنيا وتنفقون مما آتاكم الله تعالى منها وترغبون في الآخرة ولا تفعلون ما يحزنكم فيها.

.تفسير الآية رقم (267):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)}
{يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طيبات} أي جياد أو حلال {مَّا كَسَبْتُم} أي الذي كسبتموه أو كسبكم أي مكسوبكم من النقد وعروض التجارة والمواشي. وأخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في {طيبات مَا كَسَبْتُمْ}: من الذهب والفضة وفي قوله تعالى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ الأرض} يعني من الحب والتمر وكل شيء عليه زكاة، والجملة لبيان حال ما ينفق منه إثر بيان أصل الإنفاق وكيفيته وأعاد من في المعطوف لأن كلًا من المتعاطفين نوع مستقل، أو للتأكيد ولعله أولى وترك ذكر الطيبات لعلمه مما قبله، وقيل: لعلمه مما بعد، وبعض جعل ما عبارة عن ذلك.
{وَلاَ تَيَمَّمُواْ} أي تقصدوا وأصله تتيمموا بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفًا إما الأولى وإما الثانية على الخلاف، وقرأ عبد الله {ولا تأمموا}، وابن عباس {تيمموا} بضم التاء والكل عنى {الخبيث} أي الرديء وهو كالطيب من الصفات الغالبة التي لا تذكر موصوفاتها {مِنْهُ تُنفِقُونَ} الضمير المجرور للخبيث وهو متعلق بتنفقون والتقديم للتخصيص، والجملة حال مقدرة من فاعل {تَيَمَّمُواْ} أي لا تقدصدوا الخبيث قاصرين الإنفاق عليه، أو من الخبيث أي مختصًا به الإنفاق، وأيًا ما كان لا يرد أنه يقتضي أن يكون النهي عن الخبيث الصرف فقط مع أن المخلوط أيضًا كذلك لأن التخصيص لتوبيخهم بما كانوا يتعاطون من إنفاق الخبيث خاصة. فعن عبيدة السلماني قال: سألت عليًا كرم الله تعالى وجهه عن هذه الآية فقال: نزلت في الزكاة المفروضة كان الرجل يعمد إلى التمر فيصرمه فيعزل الجيد ناحية فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه من الرديء فقال الله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنفِقُونَ} وقيل: متعلق حذوف وقع حالًا من {الخبيث}، والضمير راجع إلى المال الذي في ضمن القسمين، أو لما أخرجنا وتخصيصه بذلك لأن الرداءة فيه أكثر وكذا الحرمة لتفاوت أصنافه ومجالبه، و{تُنفِقُونَ} حال من الفاعل المذكور أي ولا تقصدوا الخبيث كائنًا من المال أو مما أخرجنا لكم منفقين إياه وقوله تعالى: {وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ} حال على كل حال من ضمير {تُنفِقُونَ} أي والحال أنكم لستم بآخذيه في وقت من الأوقات أو بوجه من الوجوه {إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} إلا وقت إغماضكم أو إلا بإغماضكم فيه والإغماض كالغمض إطباق الجفن لما يعرض من النوم، وقد استعير هنا كما قال الراغب للتغافل والتساهل، وقيل: إنه كناية عن ذلك ولا يخلو عن تساهل وتغافل، وذكر أبو البقاء أنه يستعمل متعديًا وهو الأكثر ولازمًا مثل أغضى عن كذا، والآية محتملة للأمرين، وعلى الأول: يكون المفعول محذوفًا أي أبصاركم، والجمهور على ضم التاء وإسكان العين وكسر الميم، وقرأ الزهري تغمضوا بتشديد الميم، وعنه أيضًا تغمضوا بضم الميم وكسرها مع فتح التاء، وقرأ قتادة تغمضوا على البناء للمفعول أي تحملوا على الإغماض أي توجدوا مغمضين وكلا المعنيين مما أثبته الحفاظ ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والمنسبك من {ءانٍ} والفعل على كل تقدير في موضع الجر كما أشرنا إليه، وجوز أبو البقاء أن يكون في موضع النصب على الحالية، وسيبويه لا يجوز أن تقع {ءانٍ} وما في حيزها حالًا، وزعم الفراء {ءانٍ} هنا شرطية لأن معناه إن أغمضتم أخذتم، وينبغي أن يغمض طرف القبول عنه، ومن البعيد في الآية ما قيل: إن الكلام تم عند قوله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث} ثم استؤنف فقيل على طريقة التوبيخ والتقريع: {مِنْهُ تُنفِقُونَ} والحال أنكم لا تأخذونه إلا إن أغمضتم فيه ومآله الاستفهام الإنكاري فكأنه قيل: أمنه تنفقون إلخ، وهو على بعده خلاف التفاسير المأثورة عن السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم.
{واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ} عن نفقاتكم وإنما أمركم بها لانتفاعكم، وفي الأمر بأن يعلموا ذلك مع ظهور علمهم به توبيخ لهم على ما يصنعون من إعطاء الخبيث وإيذان بأن ذلك من آثار الجهل بشأنه عن شأنه {حَمِيدٌ} أي مستحق للحمد على نعمه، ومن جملة الحمد اللائق بجلاله تحري إنفاق الطيب مما أنعم به، وقيل: حامد بقبول الجيد والإثابة عليه، واحتج بالآية على وجوب زكاة قليل ما تخرجه الأرض وكثيره حتى البقل، واستدل بها على أن من زرع في أرض اكتراها فالزكاة عليه لا على رب الأرض لأن {أَخْرَجْنَا لَكُم} يقتضي كونه على الزارع وعلى أن صاحب الحق لا يجبر على أخذ المعيب بل له الرد وأخذ سليم بدله.